بيروت، لبنان – 2 مارس 2026
بقلم: علي بزي
وكالة أسنا للأخبار ASNA
في أعقاب الضربات الإسرائيلية التي أدت إلى مقتل محمد رعد، رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” النيابية في حزب الله، يشهد جنوب لبنان تصعيداً دراماتيكياً في التوترات الأمنية والاجتماعية. هذا الاغتيال، الذي أكدته تقارير إعلامية سعودية وإسرائيلية، جاء كرد انتقامي على إطلاق حزب الله صواريخ نحو شمال إسرائيل بعد مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي. ومع ذلك، فإن التداعيات الإنسانية والسياسية لهذا الحدث تتجاوز الردود العسكرية، حيث أثار غضباً متزايداً داخل الطائفة الشيعية، ودفع إلى نزوح جماعي في ظروف قاسية، تزامناً مع شهر رمضان والشتاء البارد. كما أن التهديدات الإسرائيلية الأخيرة بإخلاء 53 بلدة في جنوب لبنان تضيف طبقة جديدة من القلق، محذرة من هجمات وشيكة على ما تصفه إسرائيل بـ”مواقع حزب الله”.
التأثيرات الإنسانية على أهالي الجنوب: نزوح وذعر متكرر
أثار اغتيال رعد، الذي وقع خلال غارات جوية إسرائيلية على بيروت وجنوب لبنان، موجة من النزوح الجماعي بين سكان المناطق الحدودية. آلاف الأسر فرت من قراها خوفاً من تصعيد إضافي، خاصة بعد أوامر الإخلاء الإسرائيلية الواسعة النطاق. هذه الأوامر، التي شملت 53 بلدة مثل صيدا، طير، وبنت جبيل، جاءت كتحذير من هجمات وشيكة ضد “مسلحي حزب الله”، مما دفع السكان إلى الترحال في الليل والشتاء القارس. المناطق المستهدفة تشمل قرى مثل سارفاند، المعروب، ودردغايا، حيث يُطلب من السكان الإخلاء الفوري تحت تهديد الموت، كما وصفته بعض التقارير.
هذا النزوح يفاقم الأزمة الإنسانية في الجنوب، الذي يعاني أصلاً من شلل اقتصادي واجتماعي جراء التصعيدات السابقة. المدارس مغلقة، والأعمال متوقفة، والخدمات الأساسية ناقصة. أهالي الجنوب، الذين يرون في رعد رمزاً لـ”المقاومة”، يعبرون عن صدمة عميقة، لكنها تختلط بالغضب من الخسائر المتكررة. منشورات على وسائل التواصل تتحدث عن “عملية انتحار جماعية” إذا استمر التصعيد، مع شكاوى من الترحال في برد الشتاء خلال رمضان، حيث يعاني النازحون من نقص الطعام والدفء.
الانقسام الشيعي: غضب من “الإسناد” لإيران
يبرز الاغتيال انقساماً متزايداً داخل الطائفة الشيعية، التي تشكل قاعدة حزب الله الرئيسية. يُتهم الحزب بـ”إدخال أهالي الجنوب في إسناد إيران”، أي ربط مصير لبنان بأجندة طهران الإقليمية، دون مراعاة للمصالح اللبنانية. بعد مقتل خامنئي، أطلق حزب الله صواريخ “رسائل الولاء”، مما أثار غارات إسرائيلية ونزوحاً سريعاً. تقارير تشير إلى “تململ شيعي” داخل بيئة الحزب، مع تساؤلات عن “من فوض الحزب لخوض صراعات تخدم المشروع الإيراني”.
أصوات شيعية بارزة، مثل تلك المنشورة على منصات التواصل، تعبر عن رفض لـ”الصوت الشيعي الحقيقي” الذي يرى في سياسات الحزب تدميراً للطائفة. يُوصف الوضع بـ”لحظة انكسار شيعية”، حيث يفقد الحزب غطاءه السياسي أمام صراخ بيئته. الغضب يتركز على النزوح المتكرر، الذي يُعتبر “إرهاقاً للطائفة بالترحال”، خاصة في رمضان حيث يتزامن البرد مع الصيام. بعض التحليلات تحذر من تحول هذا الغضب إلى خلافات داخلية، قد تؤدي إلى ابتعاد تدريجي عن دعم الحزب، في ظل خسائر اقتصادية هائلة بلغت 5.1 مليار دولار من الحروب السابقة.
السياق الإقليمي: تصعيد محتمل ودعوات للتهدئة
يأتي هذا التصعيد في سياق إقليمي متوتر، بعد الهجمات الأمريكية-الإسرائيلية على إيران التي أدت إلى مقتل خامنئي ومسؤولين أمنيين آخرين. حزب الله، كامتداد لـ”المحور الإيراني”، يحاول الحفاظ على وحدته بدعوات للوقوف ضد “العدوان”، لكنه يواجه ضغوطاً داخلية وخارجية. الرئيس اللبناني جوزف عون والرئيس الوزراء نواف سلام حذرا من إطلاق الصواريخ من الجنوب، معتبرين إياها “عملاً غير مسؤول” يمنح إسرائيل ذرائع للهجوم.
التهديدات الإسرائيلية بإخلاء 53 بلدة تعكس استراتيجية للضغط على حزب الله، محذرة من ضربات واسعة النطاق إذا استمر التصعيد. محللون إقليميون يحذرون من أن مواجهة مباشرة قد تؤدي إلى زعزعة استقرار الشرق الأوسط، مع مخاطر على الاقتصاد العالمي عبر مضيق هرمز. الدولة اللبنانية تراهن على التهدئة، مطالبة باستعادة السيادة ومنع ربط لبنان بأجندات خارجية.
يعكس اغتيال محمد رعد تحولاً محتملاً في ديناميكيات الجنوب اللبناني، حيث يتزايد الغضب الشيعي من “الإسناد” الإيراني، وسط مخاوف من حرب أوسع. التهديدات الإسرائيلية بإخلاء 53 بلدة تذكر بأن السلام الهش يمكن أن ينهار في أي لحظة، مما يستدعي تدخلاً دولياً عاجلاً لمنع كارثة إنسانية جديدة. وكالة أسنا تتابع التطورات عن كثب، آملة في عودة الاستقرار إلى المنطقة.



