شمس للصيرفة شتورا

خيوط «كاساندرا»

بقلم ليلى ناصر وكالة أسنا للأخبار ASNA

في زواريب بلدة شتورا في سهل البقاع اللبناني، حيث تتجاور مكاتب الصرافة مع محال صغيرة على الطريق الدولي بين بيروت ودمشق، لم تكن حركة الدولار مجرد عرض وطلب. خلف الواجهات الزجاجية المزدحمة، كانت تتشكّل واحدة من أعقد منظومات غسل الأموال في العالم، منظومة ربطت بين كارتلات كوكايين في أميركا اللاتينية، وشبكات لوجستية في أفريقيا وأوروبا، وانتهت عند خزائن وعمليات عسكرية في الشرق الأوسط.

ذلك ما كشفه «مشروع كاساندرا» (Project Cassandra)، التحقيق العابر للحدود الذي قادته إدارة مكافحة المخدرات الأميركية (DEA)، والذي لم يكن مجرد ملف جنائي، بل تشريحاً دقيقاً لـ«العقل المالي» الذي مكّن تنظيمات مسلّحة من الصمود والتوسّع رغم العقوبات الدولية.

حين يلتقي الكوكايين بالأيديولوجيا

«Narco-Terror Nexus»… تحالف الضرورة لا القناعة

بدأت خيوط القضية تتضح منذ عام 2008، عندما رصد محققون أميركيون وأوروبيون تدفقات مالية غير منطقية: أموال طائلة تنطلق من كولومبيا وفنزويلا، تمر عبر مصارف وشركات واجهة في غرب أفريقيا وأوروبا، ثم تعود لتظهر كأرباح «تجارية» في لبنان.

لم يكن الأمر تمويلاً تقليدياً. وفق توصيف أجهزة إنفاذ القانون، نشأ ما يُعرف بـ«رابط المخدرات والإرهاب»؛ علاقة براغماتية بين كارتلات تبحث عن قنوات غسل آمنة، وتنظيمات مصنّفة إرهابية تحتاج سيولة نقدية خارج النظام المصرفي الخاضع للعقوبات.

في قلب هذا الرابط، برز اسم قاسم شمس ومؤسسته «شمس للصيرفة».

لماذا شتورا؟ ولماذا «شمس للصيرفة»؟

البنك المركزي غير المرئي

اختيار شتورا لم يكن صدفة. البلدة الواقعة على عقدة جغرافية حساسة، لطالما شكّلت مركزاً مالياً غير رسمي، تستفيد من حركة التجارة والحدود والتهريب. هنا، تحوّل «شمس للصيرفة» من مكتب صرافة تقليدي إلى ما تصفه وثائق الخزانة الأميركية بـ«منظمة غسل أموال متكاملة» (MLO).

لم يكن قاسم شمس «صرافاً» بالمعنى الكلاسيكي، بل مهندس عمليات مالية يدير شبكة معقّدة قادرة على تحريك عشرات الملايين من الدولارات شهرياً عبر:

  • غسل الأموال القائم على التجارة (TBML): تضخيم أو تخفيض فواتير سلع استهلاكية لتبرير حركة الأموال.
  • شركات واجهة عابرة للقارات: كيانات مسجّلة في البرازيل، بنما، هولندا، وفرنسا، لا نشاط فعلياً لها سوى تمرير الأموال.
  • اقتصاد الكاش: الاعتماد الكثيف على الدولار النقدي لتفادي التتبع المصرفي.

هذه الأدوات جعلت من المكتب نقطة تحويل مركزية بين المال «القذر» ووجهته النهائية.

أيمن جمعة و«مكتب إنفيجادو»

من إرث إسكوبار إلى خزائن الشرق الأوسط

كشفت التحقيقات أن «شمس للصيرفة» كان المحطة النهائية لأموال أيمن سعيد جمعة، اللبناني الكولومبي الذي اعتُبر العقل المدبر لشبكة غسلت أكثر من 200 مليون دولار من عائدات الكوكايين.

جمعة كان على صلة مباشرة بـ«مكتب إنفيجادو»، التنظيم الذي يُنظر إليه كامتداد حديث لإمبراطورية بابلو إسكوبار. الأموال كانت تسلك مساراً معقّداً: من بيع المخدرات في الولايات المتحدة، إلى شراء سيارات مستعملة تُشحن إلى غرب أفريقيا، ثم تُباع هناك، لتُحوّل العائدات عبر شركات وهمية وصولاً إلى لبنان.

في بيروت والبقاع، كانت هذه الأموال تُعاد تدويرها كأرباح تجارية «نظيفة»، ثم تُستخدم—وفق التحقيقات—في تمويل عمليات عسكرية ودعم لوجستي في سوريا واليمن، وتأمين شبكة أمان مالية لحزب الله في ظل العقوبات المتزايدة.

2011 – 2019: من «البنك اللبناني الكندي» إلى قانون كينغبين

سقوط متدرّج ثم الضربة القاضية

لم تكن قضية شمس معزولة. ففي عام 2011، سبقتها فضيحة «البنك اللبناني الكندي» الذي اتهمته واشنطن بلعب دور محوري في غسل أموال المخدرات، قبل أن يُصفّى ويُدمج لاحقاً.

لكن الذروة جاءت في أبريل 2019، عندما أعلنت وزارة الخزانة الأميركية إدراج قاسم شمس ومؤسسته على قائمة مهربي المخدرات المحددين خصيصاً بموجب قانون كينغبين. القرار جمد الأصول وقطع التعامل الدولي، مستهدفاً ما وصفته الخزانة بـ«شريان مالي حيوي».

الخطوة جاءت بعد سنوات من الجدل السياسي، خاصة إثر تقارير صحفية أميركية اتهمت إدارة أوباما بتقييد بعض جوانب «مشروع كاساندرا» خشية تأثيره على المفاوضات النووية مع إيران. ورغم الجدل، بقيت الأدلة الجنائية والمالية للمشروع صلبة، واستُخدمت لاحقاً في إدانات قضائية، أبرزها إدانة أيمن جمعة في الولايات المتحدة عام 2016.

ما الذي تكشفه «كاساندرا»؟

قصة «شمس للصيرفة» ليست مجرد ملف لبناني، بل نموذج عالمي يوضح كيف:

  • تلاشت الحدود بين الجريمة المنظمة والصراعات الجيوسياسية.
  • أصبحت مكاتب الصرافة والشركات غير المصرفية الحلقة الأضعف في منظومة الرقابة.
  • تحوّل غسل الأموال القائم على التجارة إلى الثقب الأسود الأكبر في الاقتصاد العالمي.

توصيات رقابية

  • توسيع نطاق الإشراف ليشمل الصرافين وشركات التحويل لا المصارف فقط.
  • تدقيق سلاسل التوريد والفواتير التجارية عبر تعاون جمركي دولي.
  • تعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية بين أميركا اللاتينية، أفريقيا، وأوروبا والشرق الأوسط.

يثبت «مشروع كاساندرا» أن المال غير المشروع لا يتحرّك في فراغ، بل يبحث دائماً عن بنية تحميه وقضية يتخفّى خلفها. وفي معركة تجفيف المنابع، يبدو أن تتبع الدولار لا يقل أهمية عن تتبع الرصاصة.

Join Whatsapp