بيروت – وكالة أسنا للأخبار (ASNA) – 2 مارس 2026
بقلم: علي بزي
في خطوة غير مسبوقة قد تغير وجه لبنان السياسي والأمني، أصدرت الحكومة اللبنانية برئاسة نواف سلام قرارًا يهدف إلى تعزيز سيادة الدولة وإنهاء حالة “السلاح غير الشرعي” التي سادت لعقود. هذا القرار، الذي جاء كرد فعل على تصعيد حزب الله العسكري في دعم إيران ضد إسرائيل، يثير تساؤلات حول مصير التوازنات الداخلية، وخاصة في الوسط الشيعي. في هذا التحليل، نستعرض حقيقة القرار، بنوده الرئيسية، الخطوات التالية المتوقعة، ردود الفعل المحتملة من حزب الله وبيئته الحاضنة، وتأثيره على الثنائي الشيعي، مع التركيز على دور رئيس مجلس النواب نبيه بري في الحفاظ على وحدة الطائفة.
خلفية القرار: من التصعيد الإقليمي إلى الضغط الداخلي
جاء قرار الحكومة عقب جلسة طارئة لمجلس الوزراء في قصر بعبدا، كرد مباشر على إطلاق حزب الله صواريخ باتجاه أهداف إسرائيلية، مثل مدينة حيفا، في سياق دعمه لإيران أمام التصعيد الإقليمي. هذا الإطلاق أثار مخاوف واسعة من جر لبنان إلى حرب شاملة، خاصة مع الغارات الإسرائيلية المستمرة على بنى تحتية تابعة لحزب الله، مثل مؤسسة “القرض الحسن” في صور ومناطق أخرى. القرار ليس مجرد “سحب دعم” عام، بل هو إعلان رسمي يرفع الغطاء السياسي عن الأنشطة العسكرية لحزب الله، مع الحفاظ على دوره السياسي ضمن الأطر الدستورية.
في الواقع، يعكس هذا القرار تحولاً في الموقف الحكومي، الذي كان سابقًا يتجنب المواجهة المباشرة مع “سلاح المقاومة”. اليوم، مع تفاقم الأزمة الاقتصادية والضغوط الدولية، أصبحت الحكومة أكثر جرأة في تكريس احتكارها للقرارات العسكرية، مستندة إلى الدستور اللبناني الذي ينص على حصر السلاح بيد الدولة.
أبرز بنود القرار: تفكيك السلاح غير الشرعي
وفقًا لبيان مجلس الوزراء الرسمي، يشمل القرار مجموعة من البنود الجوهرية التي تهدف إلى إعادة ترتيب الخريطة الأمنية في لبنان:
- الحظر الفوري على الأنشطة العسكرية والأمنية: يُعتبر أي نشاط عسكري لحزب الله “خارجًا عن القانون”، مما يعني عدم الاعتراف به رسميًا وملاحقته قانونيًا إذا استمر.
- إلزام تسليم السلاح: يُطالب حزب الله بتسليم أسلحته بالكامل إلى الدولة، ليكون السلاح محصورًا بالمؤسسات الشرعية مثل الجيش اللبناني.
- حصر الدور في السياسة: يُسمح لحزب الله بالاستمرار كحزب سياسي ضمن الإطار الدستوري، لكن دون أي صلاحيات عسكرية أو أمنية.
- رفض الأعمال العسكرية غير الرسمية: يؤكد القرار أن قرار الحرب والسلم حصريًا بيد الحكومة، ويرفض أي عمليات تنطلق من الأراضي اللبنانية خارج هذا الإطار.
- تكليف الجيش بالتنفيذ: يُكلف الجيش اللبناني بتنفيذ هذه البنود “بحزم”، مستندًا إلى خطة سابقة (من 16 فبراير 2026) لحصر السلاح شمال نهر الليطاني، باستخدام “جميع الوسائل المتاحة”.
هذه البنود تجعل القرار “تاريخيًا”، كما وصفته مصادر رسمية، لأنه يهدف إلى تجنب عقوبات دولية إضافية وتصعيدات إقليمية غير محسوبة، لكنه يواجه تحديات عملية هائلة نظرًا لقوة حزب الله العسكرية التي تفوق في بعض المناطق قوة الجيش نفسه.
الخطوات التالية: بين التنفيذ العسكري والحوار السياسي
التنفيذ لن يكون سهلاً، وسيتم في مراحل متعددة:
- المرحلة الأمنية الفورية: سيبدأ الجيش بنشر قوات إضافية في الجنوب، مع عمليات تفتيش محتملة لمخازن السلاح. الخبراء يشككون في القدرة على التنفيذ الكامل دون دعم دولي، مثل من قوات اليونيفيل أو الولايات المتحدة.
- الردود الدولية: من المتوقع ضغوط أمريكية وإسرائيلية لتعزيز التنفيذ، مع احتمال فرض عقوبات جديدة على حزب الله. إسرائيل قد تستغل القرار لتبرير غاراتها المستمرة، كما في استهداف “القرض الحسن”.
- الحوار الداخلي أو التصعيد: قد يدعو الرئيس جوزاف عون أو نبيه بري إلى حوار وطني لتجنب الصدام، لكن رفض حزب الله قد يؤدي إلى أزمة دستورية أو توترات أمنية.
- التحديات العملية: مع قوة حزب الله، قد يؤدي التنفيذ إلى انقسامات طائفية أو أزمات اقتصادية إضافية، خاصة في المناطق الجنوبية المتضررة بالفعل من التصعيد.
رد حزب الله والبيئة الحاضنة: رفض أم تفاوض؟
حتى الآن، لم يصدر تعليق رسمي من حزب الله أو أمينه العام، لكن مصادر قريبة تشير إلى رفض محتمل، معتبرًا القرار “غير شرعي” و”خضوعًا لضغوط خارجية”. في تغريدات على منصات التواصل، وصف داعمون القرار بأنه “نهاية للحكومة الشرعية”، مستذكرين عصر أمين الجميل حيث انسحبت الحكومة تحت الضغط. قد يلجأ الحزب إلى تصعيد إعلامي أو عسكري محدود، لكنه سيتجنب مواجهة مباشرة مع الجيش للحفاظ على الوحدة الوطنية.
أما البيئة الحاضنة، خاصة في الوسط الشيعي، فقد تشهد انقسامًا: جزء يدعم حزب الله كـ”مقاومة” ضد إسرائيل، بينما آخر يخشى جر البلد إلى حرب. التفاعل قد يشمل احتجاجات أو دعوات للحوار، مع مخاوف من تفكك الوحدة الشيعية. التحليلات تشير إلى أن القرار “أنهى الوضع الرمادي”، حيث يصبح أي دعم للأنشطة العسكرية مخالفًا للقانون.
هل انتهى الثنائي الشيعي؟ ودور نبيه بري في “ضم الطائفة اليتيمة”
الثنائي الشيعي بين حزب الله وحركة أمل (قيادة نبيه بري) لم ينتهِ رسميًا، لكنه يواجه أزمة عميقة. وزراء أمل لم يغادروا الجلسة ولم يعترضوا صراحة، بل جزئيًا دون إسقاط القرار، مما يعكس تململ بري من “مغامرات” حزب الله. إذا استمر بري في دعم القرار، قد يؤدي إلى انقسام، لكن الثنائي يعتمد على التوافق الطائفي، وقد يستمر سياسيًا رغم الاختلافات العسكرية.
نبيه بري، كـ”حارس” للوحدة الشيعية، لم يعلق مباشرة، لكنه نقل سابقًا شعورًا بـ”الخديعة” من حزب الله بسبب وعود عدم التصعيد. إذا رفع الغطاء السياسي جزئيًا، قد يحاول ضم “الطائفة اليتيمة” (الشيعة غير الملتزمين بحزب الله) تحت جناح أمل، محافظًا على مصالحهم في الدولة. بري يدعو دائمًا للحوار تحت سقف الدستور، وقد يلعب دورًا حاسمًا في تهدئة التوترات لتجنب انقسام يضعف الشيعة ككل.
لبنان أمام مفترق طرق
هذا القرار يمثل فرصة لتعزيز السيادة اللبنانية، لكنه يحمل مخاطر الانقسام الداخلي والتصعيد الإقليمي. الوضع يتطور بسرعة، مع توقعات بتصريحات رسمية قريبة من حزب الله أو بري. في نهاية المطاف، يعتمد النجاح على التوافق الوطني والدعم الدولي، وإلا قد يصبح بوابة لأزمة جديدة. يُنصح بمتابعة التطورات عبر مصادر رسمية لفهم التأثيرات طويلة الأمد على لبنان والمنطقة.



