احتجاجات تتجاوز الاقتصاد… وتلامس شرعية النظام
منذ أواخر ديسمبر 2025، دخلت إيران مرحلة غير مسبوقة من الاضطراب الداخلي، مع اندلاع احتجاجات واسعة بدأت من بازار طهران الكبير – القلب التجاري والتاريخي للنظام – قبل أن تمتد بسرعة إلى معظم المدن الكبرى، مثل طهران، أصفهان، مشهد، شيراز، وتبريز. دخول الاحتجاجات أسبوعها الثالث بحلول 12 يناير 2026، دون أي مؤشرات على الانحسار، يعكس أن ما يجري لم يعد موجة غضب عابرة، بل حراكاً عميقاً يمس بنية النظام ذاته.
ورغم أن الشرارة الأولى كانت اقتصادية – انهيار العملة، ارتفاع الأسعار، وشحّ السيولة – فإن الشعارات سرعان ما تحولت إلى مطالب تغيير النظام وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع. الأرقام المتداولة عن الضحايا والمعتقلين، والتي تتجاوز 500 قتيل وأكثر من 10 آلاف معتقل، تشير إلى حجم العنف المستخدم لاحتواء الشارع، وإلى كلفة سياسية وأخلاقية متزايدة على النظام.
إعلان السلطات ثلاثة أيام حداد على قتلى قوات الأمن، ومحاولة تسويقهم كـ«شهداء»، يعكس سعي المؤسسة الحاكمة إلى قلب السردية: من انتفاضة شعبية إلى «تمرّد أمني». إلا أن فرض قيود شاملة على الإنترنت، وقطع الكهرباء في بعض المناطق تمهيداً لإطلاق النار ليلاً، يعزز الانطباع بأن النظام يتصرف من موقع دفاعي، لا من موقع ثقة.
الذكاء الاصطناعي كسلاح دعائي… ومعركة الحقيقة
أحد أخطر تطورات هذه المرحلة هو دخول الذكاء الاصطناعي بقوة إلى ساحة الصراع الإعلامي. فمع صعوبة حشد تأييد شعبي حقيقي، لجأ النظام – بحسب تقارير متعددة – إلى نشر مقاطع فيديو وصور لحشود “مؤيدة”، تبيّن لاحقاً احتواؤها على أخطاء بصرية فادحة: تشوّهات في الوجوه، أجساد متداخلة، وأشخاص “داخل الأعلام”.
المفارقة أن النظام، الذي يُتَّهم باستخدام هذه الأدوات، يحاول في الوقت نفسه نزع المصداقية عن المحتوى المعارض عبر الادعاء بأن فيديوهات الاحتجاجات نفسها “مصنوعة بالذكاء الاصطناعي”. هذا التناقض يعكس واقعاً جديداً: لم تعد المعركة فقط في الشارع، بل في منصات السرد البصري، حيث يصبح التمييز بين الحقيقي والمزيف تحدياً حتى للمراقبين المحترفين.
هذا الاستخدام المكثف للـAI ليس جديداً كلياً، لكنه اليوم أكثر تنظيماً وأوسع نطاقاً، ويخدم هدفين أساسيين:
- خلق وهم دعم شعبي داخلي.
- إغراق الفضاء المعلوماتي بالشك، بحيث يفقد أي محتوى – حتى الحقيقي – قدرته على التأثير.
هل يقترب نظام خامنئي من السقوط؟
التحليلات حول مستقبل النظام منقسمة بوضوح. فريق يرى أن ما يحدث هو أخطر تحدٍّ منذ 1979، مستنداً إلى:
- تآكل القدرة الاقتصادية للدولة.
- اتساع رقعة الاحتجاجات جغرافياً واجتماعياً.
- تحسّن نسبي في تنسيق المتظاهرين مقارنة بموجات سابقة.
مؤشرات مثل أسواق التنبؤ، التي تعطي احتمالاً ملموساً لرحيل خامنئي خلال النصف الأول من 2026، تعكس أن فكرة السقوط لم تعد “مستحيلة” في المخيال السياسي الدولي.
في المقابل، يرى فريق آخر أن النظام لا يزال متماسكاً، مستنداً إلى غياب الانشقاقات الكبرى داخل الحرس الثوري والأجهزة الأمنية، وإلى خبرة طويلة في القمع وامتصاص الصدمات. ووفق هذا الرأي، قد يخرج النظام أكثر تشدداً، مع تقديم تنازلات شكلية أو إصلاحات محدودة لا تمس جوهر السلطة.
أما في حال حدوث انهيار فعلي، فالمعضلة الكبرى تكمن في غياب البديل الواضح. فالحراك الحالي لا يمتلك قيادة مركزية، ولا مشروعاً سياسياً جامعاً، ما يفتح الباب أمام سيناريوهات فوضى، أو مرحلة انتقالية مرتبكة، أو حتى إعادة إنتاج للنظام بصيغة جديدة.
إدارة ترامب بين الضغط الأقصى وخيار القوة
على المستوى الخارجي، تتعامل إدارة الرئيس دونالد ترامب مع التطورات بمنطق التصعيد المحسوب. فرض تعريفات عقابية على الدول المتعاملة مع إيران، وإصدار أوامر بإجلاء الأمريكيين، وإطلاق تصريحات عن “خيارات قوية”، كلها رسائل تهدف إلى:
- خنق النظام اقتصادياً.
- رفع كلفة القمع داخلياً.
- إبقاء التهديد العسكري قائماً دون الالتزام به.
في الوقت نفسه، يلوّح ترامب بإمكانية التفاوض، مدعياً أن طهران تسعى لذلك، ما يعكس ازدواجية متعمدة: العصا الغليظة مع باب موارب للدبلوماسية.
أما خيار العملية الأمنية أو العسكرية – سواء بشكل منفرد أو بالتنسيق مع إسرائيل – فيظل مطروحاً، لكنه محفوف بالمخاطر. فاستهداف مواقع نووية أو عسكرية قد:
- لا يؤدي إلى إسقاط النظام.
- يمنح طهران ذريعة لتوحيد الداخل تحت شعار “العدوان الخارجي”.
- يفتح الباب أمام تصعيد إقليمي واسع، عبر استهداف قواعد أمريكية أو مصالح حلفاء واشنطن.
ولهذا، ورغم إعداد الخطط داخل البنتاغون، لا توجد حتى الآن مؤشرات على قرار وشيك باستخدام القوة.
إيران اليوم في مفترق طرق
ما يجري في إيران اليوم ليس مجرد أزمة سياسية عابرة، بل لحظة مفصلية تتقاطع فيها ثلاثة مسارات:
- غضب داخلي متراكم.
- ثورة تكنولوجية تُعيد تعريف الدعاية والحقيقة.
- صراع دولي يحاول استثمار اللحظة دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
النتيجة النهائية لا تزال مفتوحة، لكن المؤكد أن إيران – سواء بسقوط النظام أو بتصلّبه – لن تعود كما كانت قبل شتاء 2025–2026.



