الاستفادة من المساعدات

تحقيق ليلى ناصر – وكالة أسنا للأخبار

في خضم الجدل السياسي المتصاعد حول الهجرة في الولايات المتحدة، تُختزل القضية غالباً في أرقام متفرقة عن المساعدات العامة، تُستخدم لتغذية خطاب الاستقطاب، بينما تُغيب الصورة الأشمل لدور المهاجرين في دعم الاقتصاد الأمريكي واستدامة نموه.

هذا التحقيق يعيد ترتيب الأرقام في سياقها الصحيح، مستنداً إلى بيانات سوق العمل، الضرائب، وريادة الأعمال، ليطرح سؤالاً محورياً: هل تشكّل الهجرة عبئاً اقتصادياً على الولايات المتحدة، أم أحد أعمدة قوتها الخفية؟

محرّك أساسي لنمو سوق العمل

خلال العقدين الماضيين، شكّلت الهجرة العامل الأبرز في توسّع القوة العاملة الأمريكية. فبين عامي 2000 و2022، كان المهاجرون مسؤولين عن نحو ثلاثة أرباع النمو في الفئة العمرية الأساسية من القوة العاملة، في وقت تواجه فيه البلاد شيخوخة سكانية وتراجعاً في معدلات الولادة.

ويشغل العمال المهاجرون وظائف حيوية عبر طيف واسع من القطاعات، بدءاً من الزراعة والبناء والخدمات الأساسية، وصولاً إلى التخصصات الدقيقة في التكنولوجيا والطب والهندسة، حيث يصعب سدّ الطلب المتزايد دون الاعتماد على العمالة الأجنبية.

ريادة أعمال تتجاوز الصور النمطية

بعيداً عن صورة «المعتمد على المساعدات»، تكشف البيانات أن المهاجرين من أكثر الفئات إسهاماً في ريادة الأعمال داخل الولايات المتحدة.

فواحد من كل أربعة رواد أعمال في البلاد هو مهاجر، فيما تأسست نحو 46% من شركات Fortune 500 على يد مهاجرين أو أبناء مهاجرين. هذه الشركات تمثل ركيزة للاقتصاد الأمريكي، وتوفّر ملايين الوظائف وتساهم بمئات المليارات من الدولارات سنوياً في الناتج المحلي.

المساعدات العامة: أرقام بلا سياق

تشير الإحصاءات إلى تفاوت في معدلات استخدام المساعدات العامة بين الجاليات، لا سيما بين اللاجئين القادمين من دول تعاني نزاعات أو انهيارات اقتصادية. وتسجّل جاليات من بوتان، اليمن، الصومال، جمهورية الدومينيكان وأفغانستان نسب استخدام مرتفعة نسبياً.

غير أن هذه الأرقام، عند فصلها عن سياقها، تصبح مضللة. فغالبيّة هذه الفئات دخلت الولايات المتحدة ضمن برامج لجوء إنسانية، حيث يُعدّ الدعم المؤقت جزءاً من سياسة إعادة التوطين الرسمية، وليس مؤشراً دائماً على الاعتماد على الدولة.

من يدفع الضرائب فعلياً؟

رغم شيوع الاعتقاد بأن المهاجرين يشكّلون عبئاً مالياً، تُظهر البيانات عكس ذلك. ففي عام 2023، دفعت الأسر غير الموثقة وحدها قرابة 90 مليار دولار ضرائب فدرالية ومحلية. وبصورة عامة، يساهم المهاجرون بمئات المليارات من الدولارات سنوياً في الخزينة العامة.

هذه الإيرادات تسهم بشكل مباشر في دعم برامج حيوية مثل الضمان الاجتماعي وMedicare، وهي أنظمة تعتمد على اتساع قاعدة دافعي الضرائب لمواجهة تزايد أعداد المتقاعدين.

الابتكار… العمود الفقري للقوة الاقتصادية

في اقتصاد يعتمد على المعرفة والابتكار، تتجلّى مساهمة المهاجرين بشكل لافت. إذ يشكّل المولودون خارج الولايات المتحدة نسبة كبيرة من العاملين في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات.

وتُظهر البيانات أن المهاجرين يشاركون في نحو 30% من براءات الاختراع في الصناعات الاستراتيجية، ويُنتجون براءات اختراع بمعدلات تفوق نظراءهم من المولودين في الولايات المتحدة. كما لعبوا دوراً محورياً في تعافي سوق العمل بعد جائحة كورونا، عبر العودة السريعة إلى الوظائف لتلبية الطلب المتزايد على العمالة.

بين الخطاب السياسي والواقع الاقتصادي

تكشف الأرقام، عند قراءتها كاملة، فجوة واضحة بين الخطاب السياسي والواقع الاقتصادي. فبينما يُسلَّط الضوء على معدلات المساعدات، تُهمَل المساهمة طويلة الأمد للمهاجرين في النمو، الابتكار، وتمويل الدولة نفسها.

وبحسب المعطيات، لا تمثّل الهجرة عبئاً على الاقتصاد الأمريكي، بل إحدى ركائزه الأساسية في القرن الحادي والعشرين، في وقت تتزايد فيه المنافسة العالمية على الكفاءات ورأس المال البشري.

Join Whatsapp