توقيف نيكولاس مادورو: عملية عسكرية خاطفة تُشعل جدلاً دولياً واسعاً حول الشرعية والسيادة

كاراكاس – نيويورك | 3 يناير 2026

وكالة أسنا للأخبار ASNA

أثار إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن توقيف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، في عملية عسكرية وُصفت بـ«الخاطفة»، زلزالاً سياسياً وقانونياً امتدت ارتداداته من أمريكا اللاتينية إلى أروقة الأمم المتحدة، وسط انقسام داخلي فنزويلي وردود فعل دولية حادة.

عملية «العزم المطلق»: تفاصيل الثلاثين دقيقة

وفق ما أعلنه البيت الأبيض، نفذت القوات الأمريكية فجر 3 يناير 2026 عملية عسكرية سريعة أُطلق عليها اسم Operation Absolute Resolve، استغرقت أقل من ثلاثين دقيقة، وشملت ضربات جوية محدودة وإنزال قوات خاصة في العاصمة كاراكاس.
وأسفرت العملية عن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس، قبل نقلهما جواً إلى الولايات المتحدة، حيث وُضع مادورو في مركز احتجاز بمدينة نيويورك تمهيداً لمحاكمته أمام محكمة اتحادية أمريكية.

وتواجه مادورو اتهامات ثقيلة تشمل تهريب المخدرات، الإرهاب، والتآمر مع منظمات مسلحة، وهي اتهامات كانت مطروحة أمام القضاء الأمريكي منذ عام 2020، وفق رواية الإدارة الأمريكية.

الرئيس ترامب وصف العملية بأنها «إنفاذ للقانون الدولي ضد زعيم إجرامي»، مؤكداً أن واشنطن ستتولى «إدارة مؤقتة» لفنزويلا إلى حين ضمان انتقال آمن للسلطة، مع تشديده على ضرورة تأمين منشآت النفط الفنزويلية «لضمان الاستقرار الإقليمي».

الداخل الفنزويلي: طوارئ سياسية وانقسام حاد

على الأرض، أعلن الجيش الفنزويلي حالة الطوارئ عقب العملية، في وقت تولى فيه خورخي رودريغيز مهام الرئاسة المؤقتة، داعياً إلى الإفراج الفوري عن مادورو، وواصفاً ما جرى بأنه «عدوان وحشي وانتهاك صارخ للسيادة الوطنية».

وبحسب المعطيات الأولية، لم تُسجَّل خسائر بشرية كبيرة، إلا أن حالة من التوتر الشديد خيّمت على العاصمة، مع انتشار أمني واسع واحتجاجات متفرقة، تزامناً مع مظاهرات مضادة مؤيدة للعملية قادتها قوى المعارضة.

ردود الفعل الدولية: إدانات وتحذيرات من «سابقة خطيرة»

دولياً، قوبلت العملية بإدانات شديدة من روسيا والصين، اللتين اعتبرتا ما جرى «عدواناً عسكرياً غير مبرر» وخرقاً خطيراً للنظام الدولي القائم على سيادة الدول. وحذرتا من أن هذه الخطوة تشكل «سابقة خطيرة» قد تزعزع الاستقرار في أمريكا اللاتينية.

في المقابل، أبدت دول إقليمية مثل كولومبيا دعماً مشروطاً، معتبرة أن محاسبة مادورو قد تفتح الباب أمام حل سياسي، شريطة عدم الانزلاق نحو احتلال طويل الأمد.

الأمم المتحدة بدورها دعت إلى اجتماع طارئ لمجلس الأمن، وسط توقعات بمواجهة دبلوماسية محتدمة بين القوى الكبرى، في ظل غياب أي تفويض أممي للعملية.

القانون الدولي: بين مكافحة الجريمة وانتهاك السيادة

يثير توقيف مادورو إشكالية قانونية معقدة. فبحسب ميثاق الأمم المتحدة، وتحديداً المادة (2/4)، يُحظر استخدام القوة في العلاقات الدولية، باستثناء حالتين واضحتين: الدفاع عن النفس أو تفويض صريح من مجلس الأمن.

وفي هذه الحالة، لم تُعلن الولايات المتحدة عن تعرضها لهجوم مباشر من فنزويلا، كما لم تحصل على تفويض أممي، ما دفع منظمات حقوقية دولية، مثل هيومن رايتس ووتش وأمنستي إنترناشونال، إلى اعتبار العملية «انتهاكاً واضحاً للقانون الدولي».

خبراء في القانون الدولي قارنوا العملية بغزو الولايات المتحدة لبنما عام 1989، الذي بررته واشنطن آنذاك بملاحقة رئيس متهم بتهريب المخدرات، لكنه صُنّف لاحقاً كعمل غير قانوني دولياً رغم نجاحه العسكري.

كيف اتخذ ترامب القرار دستورياً؟

على الصعيد الداخلي الأمريكي، استند الرئيس ترامب إلى المادة الثانية من الدستور الأمريكي، التي تمنحه، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، صلاحية اتخاذ قرارات عسكرية عاجلة دون إعلان حرب رسمي من الكونغرس.

وبررت الإدارة العملية باعتبارها «مهمة محدودة لاعتقال مطلوب للعدالة»، لا ترقى إلى مستوى الحرب الشاملة.
إلا أن هذا التفسير أثار انتقادات واسعة داخل الكونغرس، خاصة من نواب ديمقراطيين، استندوا إلى قانون صلاحيات الحرب لعام 1973، الذي يلزم الرئيس بإخطار الكونغرس خلال 48 ساعة، ويحد من مدة العمليات العسكرية إلى 60 يوماً دون موافقة تشريعية.

ويرى معارضو ترامب أن ما جرى يمثل توسعاً خطيراً في السلطة التنفيذية، حتى وإن استند إلى سوابق رئاسية خلال عهدي بوش وأوباما.

الشارع الفنزويلي: تأييد مشروط وخوف من «احتلال»

على المستوى الشعبي، تبدو فنزويلا منقسمة بعمق.
استطلاعات رأي تشير إلى أن نحو ثلثي الفنزويليين المقيمين في الخارج، خصوصاً في الولايات المتحدة وكولومبيا، يدعمون التدخل العسكري، معتبرينه فرصة لإنهاء سنوات من الانهيار الاقتصادي والقمع السياسي.

داخل البلاد، الصورة أكثر تعقيداً. فبينما تؤيد شريحة تُقدّر بـ40 إلى 50% من السكان إزاحة مادورو، يرفض كثيرون التدخل الأمريكي ذاته، خشية فقدان السيادة أو التحول إلى ساحة نفوذ أجنبي.

وسائل التواصل الاجتماعي عكست هذا الانقسام بوضوح، مع دعم علني من شخصيات معارضة بارزة مثل ماريا كورينا ماتشادو، مقابل احتجاجات في شوارع كاراكاس ترفع شعارات مناهضة لما تصفه بـ«الغزو الأمريكي».

مرحلة مفتوحة على كل الاحتمالات

بين محاكمة مرتقبة في نيويورك، وتصعيد دبلوماسي في مجلس الأمن، وانقسام داخلي حاد في فنزويلا، تدخل الأزمة مرحلة غير مسبوقة.
فالعملية، وإن حققت هدفها العسكري السريع، فتحت أبواباً واسعة من الأسئلة القانونية والسياسية حول مستقبل فنزويلا، وحدود القوة الأمريكية، ومستقبل النظام الدولي نفسه.

ويبقى السؤال الأهم: هل تمثل هذه الخطوة بداية انتقال سياسي حقيقي، أم شرارة فوضى إقليمية جديدة؟
الإجابة، على ما يبدو، لن تتضح في ساحات القتال، بل في المحاكم، والبرلمانات، وغرف التفاوض الدولية خلال الأسابيع المقبلة.

Join Whatsapp