تمثال الشيطان في ديترويت

تمثال الشيطان في قلب ديترويت… صدام مفتوح مع المقدّس وحدود الدولة العلمانية

يُعدّ «معبد الشيطان» (The Satanic Temple) منظمة دينية غير توحيدية تأسست عام 2013 وتتخذ من مدينة سالم في ولاية ماساتشوستس مقراً لها. وتعتمد المنظمة رموزاً شيطانية في خطابها ونشاطها، لا باعتبارها تعبيراً عن عبادة كيان خارق، بل كرمز للاعتراض على السلطة التعسفية، وتعزيز التفكير العقلاني، والدفاع عن الحريات الفردية وفصل الدين عن الدولة. وخلال سنوات قليلة، توسّع نشاط المعبد ليشمل تجمعات داخل الولايات المتحدة وخارجها، ليُصنّف كأكبر تنظيم شيطاني من حيث عدد الأعضاء والانتشار.

ويتميّز «معبد الشيطان» عن منظمات شيطانية أخرى، مثل «كنيسة الشيطان»، بتركيزه على النشاط الحقوقي والقانوني والاجتماعي، بدلاً من المعتقدات الغيبية أو الطقوس ذات الطابع الروحاني، وترتكز فلسفته على مبادئ يصفها بالإنسانية، أبرزها التعاطف، ورفض الظلم، واحترام الجسد، والاعتماد على العلم والعقل في تشكيل القناعات.

أحد أكثر رموز المعبد إثارة للجدل هو تمثال «بافوميت»، وهو عمل فني برونزي ضخم يبلغ ارتفاعه نحو تسعة أقدام ويزن قرابة طن، يصوّر كائناً مجنّحاً برأس ماعز وجسد إنسان، يتوسط طفلين ينظران إليه في مشهد يصفه القائمون عليه بأنه يرمز إلى «التوازن بين العقل والتعاطف» و«التصالح بين المتناقضات». جرى تمويل التمثال عبر حملة تبرعات جماهيرية عام 2014، وجاء في سياق احتجاج رمزي على وضع نصب دينية مسيحية في أماكن عامة.

كُشف عن التمثال لأول مرة في مدينة ديترويت في 25 تموز/يوليو 2015 خلال فعالية خاصة أُقيمت في مبنى صناعي قرب نهر ديترويت، بحضور مئات من أنصار المعبد. ونُظمت الفعالية من قبل فرع ديترويت، الذي كان يُعد من أكبر فروع التنظيم، وشارك في المشروع مؤسسو المعبد، وعلى رأسهم لوسيان غريفز. وجاء اختيار ديترويت باعتبارها مدينة ذات حضور قوي للمعبد، ولما تمثله من رمزية في خطاب التنوع الديني وحرية التعبير.

وكان الهدف الأساسي من إنشاء التمثال هو وضعه أمام مبنى الكابيتول في ولاية أوكلاهوما، مقابل نصب «الوصايا العشر»، في رسالة تؤكد مبدأ التعددية الدينية والمساواة في استخدام الفضاء العام. غير أن قرار المحكمة العليا في أوكلاهوما عام 2015 بإزالة نصب الوصايا العشر غيّر مسار الخطة، ليُعرض التمثال مؤقتاً في ديترويت قبل نقله لاحقاً لاستخدامه في حملات احتجاجية مماثلة في ولايات أخرى، مثل أركنساس. ولا يُعد التمثال معلماً دائماً في ديترويت، إذ يُخزّن ويُنقل بحسب طبيعة الأنشطة التي ينظمها المعبد.

من الناحية القانونية، يحظى «معبد الشيطان» باعتراف رسمي في الولايات المتحدة كديانة وكنيسة، بعدما حصل عام 2019 على صفة الإعفاء الضريبي من مصلحة الضرائب الأميركية. ويُصنّف كحركة دينية حديثة غير توحيدية، لا تؤمن بوجود شيطان أو إله بالمعنى التقليدي، بل تستخدم مفهوم «الشيطان» كرمز فلسفي للاعتراض والحرية الفردية.

يعتمد المعبد في بنيته الدينية على ما يسميه «الركائز الأربع» للتديّن: العقيدة، والمدونة الأخلاقية، والطقوس الرمزية، والمجتمع. وتتمثل عقيدته في «المبادئ السبعة الأساسية» التي تدعو إلى الرحمة، والسعي للعدالة، واحترام استقلال الجسد، والالتزام بالعلم، وتحمل المسؤولية الأخلاقية. ويرى أتباعه أن هذا الإطار يمنحه صفة دينية مكتملة وفق القانون الأميركي، رغم غياب الإيمان بالغيب.

وتتنوع أنشطة «معبد الشيطان» بين العمل القانوني والسياسي والاجتماعي، إذ يشن حملات قضائية ضد ما يراه تغولاً دينياً في الشأن العام، ويدافع عن قضايا مثل الحقوق الإنجابية، وحرية المعتقد، ورفض العقاب البدني في المدارس. كما ينظم برامج تعليمية، من أبرزها نوادٍ مدرسية تهدف إلى تعزيز التفكير النقدي والعلمي، إضافة إلى طقوس رمزية تُستخدم لأغراض نفسية واجتماعية، مثل معالجة الصدمات المرتبطة بالتجارب الدينية السابقة وبناء الشعور بالانتماء.

وبينما يرى أنصاره أن هذه الأنشطة تندرج في إطار حرية التعبير والدفاع عن العلمانية، يثير «معبد الشيطان» وتمثال «بافوميت» ردود فعل حادة من جماعات دينية ومحافظة، تعتبر هذه الرموز استفزازاً مباشراً لمعتقداتها. وهكذا، يبقى الجدل قائماً حول حدود الحرية الدينية، ودور الرموز الدينية في الفضاء العام، في واحدة من أكثر القضايا الثقافية والدستورية إثارة للنقاش في الولايات المتحدة.

Join Whatsapp