ايران رضا بهلوي الخامنئي

ليلى ناصر – وكالة أسنا للأخبار ASNA

تشهد إيران منذ مطلع يناير/كانون الثاني 2026 موجة احتجاجات غير مسبوقة من حيث الانتشار الجغرافي وحدّة المواجهات، أعادت إلى الواجهة أسئلة كبرى تتعلق بجذور الثورة الإيرانية عام 1979، وسقوط نظام الشاه محمد رضا بهلوي، وصعود الجمهورية الإسلامية بقيادة آية الله روح الله الخميني.

ووفق تقارير متقاطعة، امتدت الاحتجاجات إلى أكثر من 180 مدينة في 31 محافظة، وأسفرت عن مقتل مئات المتظاهرين، وسط انقطاع واسع للإنترنت واشتباكات عنيفة مع قوات الأمن والحرس الثوري. وقد بدأت هذه التحركات على خلفية الأزمة الاقتصادية الخانقة، لكنها سرعان ما تحولت إلى مطالب سياسية صريحة بإسقاط النظام.

خلفية تاريخية: لماذا سقط نظام الشاه؟

تعود جذور الثورة الإيرانية إلى تراكم طويل من العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فقد حكم الشاه بنظام سلطوي اعتمد على القمع الأمني، خاصة عبر جهاز “السافاك”، وارتبط بشكل وثيق بالولايات المتحدة والغرب، ما عزز الشعور الشعبي بفقدان السيادة الوطنية.

ورغم تحقيق إيران نموًا اقتصاديًا ملحوظًا في ظل عائدات النفط، فإن هذا النمو كان غير متوازن، حيث استفادت منه النخبة الحاكمة، بينما عانت فئات واسعة من التضخم والفقر. كما أثارت الإصلاحات الاجتماعية السريعة، المعروفة بـ“الثورة البيضاء”، غضب المؤسسات الدينية والشرائح المحافظة، التي رأت فيها تغريبًا قسريًا للمجتمع الإيراني.

في هذا المناخ، برز آية الله الخميني، الذي قاد المعارضة من المنفى، مستثمرًا الغضب الشعبي والرمزية الدينية، إلى أن أدت الإضرابات العامة والمظاهرات الحاشدة إلى فرار الشاه مطلع عام 1979 وعودة الخميني، الذي أسس نظام “ولاية الفقيه”.

رضا بهلوي وعودة اسم العائلة الحاكمة

في خضم احتجاجات 2026، عاد اسم رضا بهلوي، نجل الشاه الراحل، إلى الواجهة كأحد رموز المعارضة في الخارج. بهلوي، المقيم في الولايات المتحدة منذ الثورة، دعا إلى إضرابات وطنية شاملة في قطاعات النفط والغاز والنقل، وحث المتظاهرين على السيطرة على مراكز المدن.

وقد أعلن استعداده للعودة إلى إيران “في لحظة الانتصار”، في حال سقوط النظام. غير أن هذا الطرح يثير انقسامًا حادًا داخل الشارع الإيراني، بين من يرى فيه رمزًا لفترة استقرار وازدهار نسبي، ومن يرفض عودة الملكية، رافعًا شعار “لا للشاه ولا للشيخ”.

الموقف الأمريكي والتصعيد السياسي

تزامنت الاحتجاجات مع مواقف أمريكية لافتة، حيث عبّر عدد من الجمهوريين في الكونغرس عن دعمهم الصريح للمتظاهرين. كما هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتدخل إذا لجأ الحرس الثوري إلى “مجزرة مفتوحة” بحق المحتجين، مؤكدًا أن بلاده “جاهزة للتحرك”.

تبدو إيران اليوم وكأنها تعيد فتح جرح تاريخي لم يلتئم منذ أكثر من أربعة عقود. فكما أسقط الغضب الشعبي نظام الشاه عام 1979، يعود الشارع الإيراني في 2026 ليعلن رفضه لنظام وُلد من رحم تلك الثورة نفسها.

غير أن المفارقة الكبرى تكمن في أن الاحتجاجات الحالية لا يقودها مشروع أيديولوجي واضح كما كان الحال مع الخميني، بل حالة إنهاك جماعي من القمع والعزلة والفشل الاقتصادي. فالهتافات التي تتردد في الشوارع تعكس بحثًا عن “بديل”، أكثر مما تعكس إجماعًا على هوية هذا البديل.

عودة اسم رضا بهلوي إلى المشهد تكشف هذا الفراغ السياسي. فالدعم الذي يحظى به لا ينبع بالضرورة من حنين جماعي إلى الملكية، بل من مقارنة واقعية بين حاضر مأزوم وماضٍ يُنظر إليه – ولو جزئيًا – على أنه أقل قسوة. في المقابل، يرفض قطاع واسع من الإيرانيين إعادة إنتاج أي شكل من أشكال الحكم الوراثي، مطالبين بجمهورية ديمقراطية حقيقية تفصل الدين عن الدولة.

أما العامل الخارجي، وعلى رأسه الولايات المتحدة، فيبقى سيفًا ذا حدّين. فبينما يرى بعض المتظاهرين في الدعم الأمريكي رافعة ضغط على النظام، يخشى آخرون من تكرار سيناريوهات التدخل التي دفعت إيران تاريخيًا إلى مزيد من التطرف والانغلاق.

في المحصلة، تقف إيران أمام لحظة مفصلية: إما أن تتحول احتجاجات 2026 إلى بداية انتقال سياسي حقيقي يعكس إرادة شعبية جامعة، أو أن تُضاف إلى سجل الانتفاضات المكلفة التي لم تنجح في كسر بنية النظام. وبين هذين الاحتمالين، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يتعلم الإيرانيون من دروس 1979، أم يعيد التاريخ نفسه بأدوات جديدة؟

Join Whatsapp