بقلم ليلى ناصر – وكالة أسنا للأخبار
لم يعد النقاش في واشنطن يتمحور حول ما إذا كانت الولايات المتحدة ستوجه ضربة عسكرية لإيران، بل حول حجم العملية العسكرية وتوقيتها وحدودها. فمع مطلع عام 2026، يتبلور مشهد جيوسياسي شديد التعقيد تتداخل فيه الضغوط العسكرية والتفاوضية، على خلفية تراكم أحداث مفصلية منذ صيف 2025.
ما بعد 2025: إيران أضعف… لكنها أكثر تشدداً
تأتي التقديرات الأميركية الحالية في سياق تحولات دراماتيكية شهدتها المنطقة خلال العام الماضي، أبرزها الضربات الأميركية السابقة على منشآت نووية إيرانية، وتداعيات المواجهة القصيرة بين إيران وإسرائيل، إضافة إلى تراجع نفوذ طهران الإقليمي بعد خسائر حلفائها وانهيار النظام السوري السابق.
هذه العوامل أضعفت القدرات الدفاعية الإيرانية وألحقت ضرراً كبيراً ببنيتها النووية، لكنها في الوقت نفسه عززت قناعة القيادة الإيرانية بأن التخلي عن البرنامج الصاروخي أو النووي سيجعلها عرضة لضربات دورية، ما يدفعها إلى التمسك أكثر بعناصر الردع الاستراتيجية.
حشد أميركي غير مسبوق وضغط إسرائيلي متصاعد
الولايات المتحدة، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، رفعت مستوى وجودها العسكري في المنطقة إلى مستويات تُقارن بفترة ما قبل غزو العراق عام 2003، عبر نشر حاملات طائرات وقاذفات استراتيجية وقوات إضافية.
في المقابل، يمارس رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ضغطاً متواصلاً لتشديد الشروط على طهران، بما يتجاوز الملف النووي إلى البرنامج الصاروخي وشبكات الحلفاء الإقليميين، وهو ما تعتبره إيران شروطاً تمس جوهر عقيدتها الدفاعية.
هذا التباين خلق فجوة بين واشنطن وتل أبيب: إدارة ترامب تميل إلى اختبار مسار صفقة نووية مرحلية، بينما ترى إسرائيل أن أي اتفاق لا يشمل تفكيك القدرات الصاروخية سيبقي التهديد قائماً.
الخيارات العسكرية: من الضربة المحدودة إلى الحملة الواسعة
داخل المؤسسات الأميركية، يُبحث خياران رئيسيان:
1. ضربة محدودة جراحية
تستهدف ما تبقى من منشآت نووية أو مواقع تطوير صاروخي، بهدف إبطاء البرنامج الإيراني وإعادة فرض الردع دون الانزلاق إلى حرب شاملة. هذا الخيار يُعد الأكثر انسجاماً مع رغبة واشنطن في استخدام القوة كأداة ضغط تفاوضي.
2. حملة أوسع متعددة المراحل
تشمل ضرب البنية العسكرية للحرس الثوري ومنشآت استراتيجية وربما بنى طاقة، مع هدف أبعد يتمثل في إضعاف النظام نفسه. غير أن هذا السيناريو يحمل مخاطر رد إيراني إقليمي واسع، عبر استهداف قواعد أميركية أو ممرات الطاقة في الخليج.
حدود القوة ومخاطر الرد
رغم التفوق العسكري الأميركي، تشير تقديرات إلى أن أي حملة مكثفة ستواجه قيوداً لوجستية وزمنية، ما يجعل الضربة الحاسمة السريعة خياراً مفضلاً على حرب طويلة.
في المقابل، تستند إيران إلى استراتيجية الرد غير المتكافئ: صواريخ، هجمات بحرية، أو استهداف منشآت طاقة، وهي أدوات كفيلة برفع كلفة أي مواجهة إلى مستويات عالمية، خصوصاً في أسواق النفط والملاحة الدولية.
مفاوضات جنيف: الدبلوماسية تحت ظل القاذفات
بالتوازي مع التصعيد، تُجرى جولة جديدة من المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران بوساطة إقليمية. إيران تبدي استعداداً لتقييد مستوى التخصيب وتصدير جزء من مخزونها النووي، بينما تتمسك الولايات المتحدة بمطلب الحد الصفري أو شبه الصفري.
السيناريو الأكثر واقعية يتمثل في اتفاق مرحلي محدود يركز على الملف النووي فقط، يمنح الطرفين وقتاً إضافياً. لكن فرص استمراره تبدو ضئيلة إذا أُدرجت الصواريخ والنفوذ الإقليمي ضمن الشروط.
حسابات ترامب بين القوة والانتخابات
سياسياً، يرى ترامب في الخيار العسكري وسيلة لإظهار الحزم وتعزيز موقعه الداخلي، لكنه يواجه معارضة شعبية لأي حرب جديدة في الشرق الأوسط ومخاطر اقتصادية مرتبطة بأسعار الطاقة. لذلك يبدو أنه يوازن بين التهديد العسكري الفعلي وترك باب الصفقة مفتوحاً.
شرق أوسط على مفترق طرق
المشهد الراهن يعكس معادلة دقيقة: إيران أضعف عسكرياً لكنها أكثر استعداداً للمخاطرة، الولايات المتحدة أقوى لكنها حذرة من الاستنزاف، وإسرائيل تدفع نحو أقصى ضغط ممكن.
النتيجة المحتملة ستسلك أحد مسارين:
- اتفاق محدود: تهدئة مؤقتة مع بقاء إيران قوة صاروخية مؤثرة.
- ضربة واسعة: تصعيد إقليمي قد يعيد رسم توازنات الشرق الأوسط ويهز الاقتصاد العالمي.
في المحصلة، لا تبدو المرحلة المقبلة مجرد عملية عسكرية محتملة، بل اختباراً لقدرة واشنطن على إدارة مزيج القوة والدبلوماسية تحت ضغط إسرائيلي متصاعد، في لحظة قد تعيد تشكيل معادلات الردع في المنطقة لسنوات قادمة.



