يمكن قراءة زيارة الرئيس جوزيف عون إلى تركيا اليوم (30 تموز/يوليو 2026) كخطوة عملية ومدروسة في سياق تحولات لبنانية وإقليمية متسارعة.
وتُعد هذه الزيارة أول زيارة رسمية له إلى أنقرة منذ انتخابه رئيساً للجمهورية في كانون الثاني/يناير 2025. وقد التقى الرئيس اللبناني بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان في المجمع الرئاسي، حيث أقيمت له مراسم استقبال رسمية، أعقبتها مباحثات مكثفة ومؤتمر صحفي مشترك، قبل أن يعود عون إلى بيروت في اليوم نفسه.
أبرز ما صدر عن اللقاء
- أكد أردوغان استعداد تركيا لمواصلة دعم قدرات لبنان المؤسسية، وتقديم مساعدات إنسانية وفنية، والمشاركة في أي مبادرات تضمن سيادة لبنان بعد انسحاب القوات الدولية الحالية (اليونيفيل).
- عرض الجانب التركي المساهمة في إعادة إعمار الجنوب المتضرر من العمليات الإسرائيلية.
- شدد عون على تصميم لبنان على استعادة السيادة الكاملة، وانسحاب إسرائيلي من كل الأراضي اللبنانية، وعودة النازحين، وإعادة الإعمار، وحصر السلاح بالدولة والجيش، وبناء دولة واحدة وجيش واحد وقرار سيادي واحد.
- أشار عون إلى أن الزيارة تؤسس لمرحلة جديدة من الشراكة، واستشهد بمقولة أتاتورك «سلام في الوطن، سلام في العالم».
الأبعاد الرئيسية للزيارة
1. البعد الأمني (الأكثر أهمية حالياً)
اليونيفيل ينتهي تفويضها في 31 كانون الأول/ديسمبر 2026، ويبدأ الانسحاب التدريجي خلال 2027. لبنان يحتاج إلى بدائل لدعم الجيش في الجنوب وعلى الحدود مع سوريا (مكافحة التهريب). تركيا تطرح نفسها كطرف مستعد للمشاركة في ترتيبات ما بعد اليونيفيل، وهو عرض له وزن لأنه يأتي من دولة إقليمية ذات قدرة عسكرية ولوجستية. هذا يفتح باب تنويع الدعم الأمني بعيداً عن الاعتماد الحصري على القوى الغربية.
2. بعد السيادة وبناء الدولة
عون، القادم من خلفية عسكرية، يستخدم الزيارة لتعزيز خطاب «الدولة الواحدة والجيش الواحد». الدعم التركي المؤسسي يتماهى مع هذا التوجه، خاصة في مرحلة يحاول فيها لبنان تعزيز سلطته المركزية بعد سنوات من الضعف والفراغ.
3. البعد الاقتصادي والإعماري
التركيز على إعادة إعمار الجنوب، والتعاون في الطاقة والموانئ والبنية التحتية، وإحياء اتفاقية التجارة الحرة، وربط لبنان بممرات نقل إقليمية (مثل فكرة إحياء خط الحجاز الذي يربط الخليج بأوروبا عبر سوريا وتركيا). تركيا ترى في لبنان منفذاً اقتصادياً ومحطة في مشاريع الربط الإقليمي.
4. البعد الجيوسياسي والإقليمي
- تركيا تريد تعزيز حضورها في المشرق بعد التحولات الكبرى في المنطقة (بما فيها تداعيات المواجهات الإسرائيلية والإيرانية).
- لبنان يمارس دبلوماسية متعددة الاتجاهات: الزيارة جاءت بعد زيارة عون إلى واشنطن، وبعد زيارة رئيس الوزراء نواف سلام إلى إسطنبول في وقت سابق. هذا يشير إلى محاولة بناء شبكة علاقات متوازنة.
- الرسالة التركية الضمنية: رفض إبقاء لبنان على هامش ترتيبات شرق المتوسط التي تضم إسرائيل واليونان وقبرص.
كيف تُقرأ الزيارة؟
هي ليست زيارة بروتوكولية فقط. تأتي في توقيت حساس: جنوب لبنان لا يزال يعاني من آثار العمليات الإسرائيلية، واليونيفيل على أبواب المغادرة، والدولة اللبنانية تحاول استعادة زمام المبادرة. عون يبحث عن شركاء عمليين يدعمون الجيش والمؤسسات دون شروط سياسية ثقيلة في هذه المرحلة.
من الجانب التركي، هي فرصة لتوسيع النفوذ الهادئ في لبنان عبر قنوات الدولة الرسمية، بعد أن كانت العلاقة محدودة نسبياً لعقود.



