تقرير: ليلى ناصر – وكالة أسنا للأخبار ASNA
أثارت التصريحات الأخيرة للمبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توم براك، حول لبنان و”بلاد الشام” جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية، بعدما اعتبر البعض أنها تعكس توجهاً نحو إحياء فكرة “سوريا الكبرى”، فيما رأى آخرون أنها لا تتجاوز كونها قراءة جيوسياسية للمنطقة في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة.
وبالعودة إلى مواقف براك وخلفيته الشخصية، يتبين أن وصفه بأنه يتبنى أيديولوجية “الأمة السورية” أو القومية السورية ليس دقيقاً. فالرجل لا ينتمي فكرياً إلى هذا التيار، بل يقدم رؤية تقوم على مزيج من خلفيته العائلية الشامية، ونقده للحدود التي رسمتها القوى الاستعمارية، إضافة إلى مقاربة سياسية واقتصادية براغماتية تتماشى مع أسلوب الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
جذور لبنانية وتأثير تاريخي
ينحدر توم براك من عائلة لبنانية مسيحية تعود أصولها إلى مدينة زحلة في البقاع. وقد هاجر جده إلى الولايات المتحدة مطلع القرن العشرين بجواز سفر عثماني، في مرحلة سبقت اتفاقية سايكس-بيكو وإنشاء دولة لبنان الكبير عام 1920.
هذا الإرث التاريخي يفسر، وفق مراقبين، استخدام براك المتكرر لمصطلحات مثل “بلاد الشام”، ورؤيته للترابط التاريخي والثقافي والاقتصادي بين لبنان وسوريا، لكنه لا يشكل دليلاً على تبنيه مشروعاً سياسياً لإلغاء الحدود أو إعادة رسمها.
كما سبق لبراك أن تحدث عن أصوله اللبنانية واستعاد الجنسية اللبنانية عام 2014، مؤكداً في أكثر من مناسبة ارتباطه العاطفي بجذوره.
نقد سايكس-بيكو وليس الدعوة لإلغاء الدول
عرف براك بانتقاداته الصريحة للحدود التي رسمتها بريطانيا وفرنسا بعد الحرب العالمية الأولى، معتبراً أنها لم تراعِ الواقع الاجتماعي والقبلي والثقافي في المنطقة.
وفي أكثر من تصريح، قال إن “الشرق الأوسط لا يتكون من دول قومية بقدر ما يتكون من قبائل وقرى وعائلات”، معتبراً أن النموذج الذي فرض بعد عام 1916 لا يعكس البنية الحقيقية للمجتمعات.
ويرى متابعون أن هذه المواقف لا تعني الدعوة إلى ضم لبنان أو إنهاء كيانه المستقل، بل تعكس قناعة بأن أزمات المنطقة مترابطة، وأن الحلول يجب أن تكون إقليمية، سواء في الملفات الأمنية أو الاقتصادية.
تصريحات أشعلت الجدل في لبنان
بلغ الجدل ذروته عندما حذر براك، في مقابلة خلال عام 2025، من أن لبنان قد يجد نفسه مجدداً ضمن فضاء “بلاد الشام” إذا استمر الجمود السياسي وتأخر الإصلاح ونزع سلاح حزب الله، في وقت تشهد فيه سوريا تحولات متسارعة.
وأثارت هذه التصريحات ردود فعل غاضبة داخل لبنان، إذ اعتبرها كثيرون مساساً بالسيادة الوطنية، واستحضاراً لمرحلة الوصاية السورية التي امتدت بين عامي 1976 و2005.
ورد رئيس الجمهورية جوزيف عون بالتأكيد أن وحدة الأراضي اللبنانية وسيادة الدولة تمثلان “ثابتاً وطنياً” لا يقبل النقاش، كما صدرت مواقف رافضة من قوى سياسية عدة.
لاحقاً، أوضح براك أن حديثه لم يكن دعوة إلى ضم لبنان أو التراجع عن استقلاله، وإنما تحذيراً من تداعيات استمرار الأزمات الداخلية، مع تأكيده دعم الولايات المتحدة لعلاقة متوازنة بين دولتين مستقلتين.
رجل صفقات أكثر منه صاحب مشروع أيديولوجي
يشير مراقبون إلى أن توم براك، المعروف أساساً كرجل أعمال ومستثمر عقاري ومؤسس إحدى كبريات شركات الاستثمار، ينظر إلى المنطقة بمنطق الاستقرار الاقتصادي والفرص الاستثمارية أكثر من منظور المشاريع القومية.
وتنسجم مقاربته مع أسلوب إدارة ترامب، الذي يركز على الصفقات والتفاهمات الإقليمية، ويربط بين الملفات الأمنية والاقتصادية، سواء في سوريا أو لبنان أو العلاقة مع إسرائيل.
ومن هذا المنطلق، تبدو تصريحاته بشأن لبنان جزءاً من سياسة ضغط دبلوماسية تهدف إلى دفع بيروت نحو الإصلاحات ومعالجة ملف السلاح غير الشرعي، أكثر من كونها تعبيراً عن مشروع لإحياء “الأمة السورية”.
تشير المعطيات إلى أن توم براك لا يتبنى الفكر القومي السوري ولا يدعو إلى إعادة رسم حدود المنطقة وفق مفهوم “سوريا الكبرى”. غير أن جذوره اللبنانية، ورؤيته النقدية لاتفاقية سايكس-بيكو، ومقاربته البراغماتية للعلاقات الإقليمية، تدفعه إلى الحديث عن لبنان وسوريا باعتبارهما فضاءً حضارياً وتاريخياً مترابطاً.
وفي ظل التحولات التي تشهدها المنطقة بعد سقوط نظام الأسد، يبدو أن براك يسعى إلى الدفع نحو ترتيبات إقليمية جديدة تقوم على الاستقرار الاقتصادي والتنسيق السياسي، مع استمرار تمسك الولايات المتحدة، وفق تصريحاته، بمبدأ سيادة لبنان واستقلاله.



