السفر إلى لبنان من الولايات المتحدة

ليلى ناصر – وكالة أسنا للأخبار ASNA

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عبر منصة Truth Social، أنه وجّه إدارته إلى السماح لجميع شركات الطيران الأميركية بتسيير رحلات مباشرة إلى لبنان، وذلك عقب لقائه الرئيس اللبناني جوزاف عون في واشنطن.

وقال ترامب:

“بعد لقائي رئيس لبنان جوزاف عون، الذي قام بعمل رائع في العمل على تحويل بلاده، أوجّه إدارتي بالسماح لجميع شركات الطيران الأميركية بالتحليق مباشرة إلى لبنان، حتى يتمكن الأميركيون بسهولة من زيارة هذا البلد الجميل. وآمل أن تحذو دول أخرى حذونا.”

ويمثل الإعلان، إذا تُرجم إلى إجراءات تنفيذية واتفاقيات تنظيمية بين سلطات الطيران في البلدين، تحولاً لافتاً في العلاقات الجوية بين الولايات المتحدة ولبنان، بعد سنوات طويلة من غياب أي رحلات مباشرة.

تاريخ الرحلات بين لبنان والولايات المتحدة

خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، كان مطار بيروت يعد من أكثر مطارات الشرق الأوسط نشاطاً، وشكل بوابة رئيسية تربط المنطقة بأوروبا وأميركا الشمالية. وكانت شركات طيران عالمية عديدة، إلى جانب طيران الشرق الأوسط، توفر رحلات تربط لبنان بالولايات المتحدة، وإن كانت غالباً تتضمن محطة توقف في أوروبا.

لكن اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، ثم تدهور الوضع الأمني، دفع معظم شركات الطيران الأجنبية إلى تقليص عملياتها أو وقفها بالكامل.

وازداد الوضع تعقيداً بعد سلسلة من عمليات خطف الطائرات والهجمات الإرهابية في الثمانينيات، أبرزها خطف طائرة TWA Flight 847 عام 1985، وهي حادثة تركت أثراً عميقاً في سياسة الطيران الأميركية تجاه لبنان، وأدت إلى تشديد القيود الأمنية لعقود.

ومنذ ذلك الحين، لم تعد أي شركة طيران أميركية تشغل رحلات مباشرة إلى لبنان، واضطر المسافرون إلى المرور عبر عواصم أوروبية أو خليجية مثل باريس، فرانكفورت، إسطنبول، الدوحة أو دبي للوصول إلى بيروت.

الخسائر الاقتصادية للانقطاع

حرم غياب الرحلات المباشرة لبنان من مكاسب اقتصادية كبيرة، إذ أدى إلى:

  • ارتفاع كلفة السفر على مئات آلاف اللبنانيين المقيمين في الولايات المتحدة.
  • تراجع أعداد السياح الأميركيين بسبب طول الرحلات وتعقيدها.
  • انخفاض حركة رجال الأعمال والاستثمارات.
  • خسارة مطار رفيق الحريري الدولي جزءاً من مكانته كمركز إقليمي للنقل الجوي.
  • تراجع إيرادات القطاعات المرتبطة بالطيران، بما فيها الفنادق والسياحة والخدمات.

ويرى خبراء أن إعادة فتح المجال أمام شركات الطيران الأميركية قد تسهم في زيادة أعداد الزوار، وتحفيز قطاع السياحة، وتعزيز الثقة الدولية بالاقتصاد اللبناني، إذا ترافق ذلك مع استقرار أمني وسياسي.

هل تعود الرحلات فعلاً؟

ورغم إعلان ترامب، فإن تشغيل الرحلات لن يكون تلقائياً، إذ يتطلب استكمال عدد من الخطوات، أبرزها:

  • موافقة إدارة الطيران الفيدرالية الأميركية (FAA) والجهات التنظيمية المختصة.
  • تقييم مستوى أمن المطارات اللبنانية.
  • اتخاذ شركات الطيران قراراً تجارياً بتشغيل الخطوط الجديدة بناءً على الجدوى الاقتصادية والتأمين والمخاطر.

وبالتالي، فإن إعلان الرئيس الأميركي يمثل قراراً سياسياً مهماً، لكنه يحتاج إلى إجراءات فنية وتنظيمية قبل أن تتحول الرحلات إلى واقع.

بيروت أم القليعات؟

يطرح الإعلان سؤالاً أساسياً: إلى أي مطار ستتجه الرحلات الأميركية؟

من الناحية العملية، يبقى مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت الخيار الأكثر ترجيحاً، لأنه المطار الدولي الوحيد العامل حالياً، ويملك البنية التحتية والجمارك ومرافق استقبال الرحلات العابرة للقارات.

إلا أن السنوات الأخيرة شهدت نقاشاً متزايداً حول إعادة تشغيل مطار الرئيس رينيه معوض (القليعات) في شمال لبنان، باعتباره مشروعاً استراتيجياً لتنشيط الاقتصاد في الشمال وتخفيف الضغط عن مطار بيروت.

ويرى بعض المحللين أن القليعات يتمتع بموقع جغرافي بعيد عن مناطق النفوذ العسكري لحزب الله مقارنة بمطار بيروت، وهو ما قد يجعله، من الناحية السياسية والأمنية، خياراً يحظى باهتمام مستقبلي إذا تم تطويره ليصبح مطاراً دولياً متكاملاً.

لكن في المقابل، لا توجد حتى الآن أي مؤشرات رسمية من الإدارة الأميركية أو الحكومة اللبنانية تفيد بأن إعلان ترامب يتعلق بالقليعات، كما أن المطار لا يزال يحتاج إلى استثمارات كبيرة قبل أن يتمكن من استقبال رحلات أميركية مباشرة.

انعكاسات سياسية محتملة

يرى مراقبون أن إعلان ترامب لا يقتصر على الجانب الاقتصادي، بل يحمل أيضاً رسالة سياسية تعكس دعماً لإدارة الرئيس جوزاف عون، وإشارة إلى رغبة واشنطن في إعادة دمج لبنان في حركة النقل والاستثمار الدوليين، بالتوازي مع الضغوط الأميركية المستمرة لتنفيذ الإصلاحات وتعزيز سيادة الدولة.

وإذا نجحت هذه الخطوة، فقد تشجع دولاً أخرى على إعادة النظر في سياسات السفر إلى لبنان، وهو ما أشار إليه ترامب صراحة بقوله إنه يأمل أن تحذو دول أخرى حذو الولايات المتحدة.

ويبقى نجاح المبادرة مرتبطاً بمدى قدرة لبنان على توفير بيئة آمنة ومستقرة تلبي المعايير الدولية للطيران المدني، وهو العامل الحاسم في تحديد ما إذا كانت الرحلات المباشرة ستعود بالفعل بعد غياب امتد لعقود.

Join Whatsapp