لبنان 2026: مخاض السيادة بين “شرعية الدولة” و”سلاح الأمر الواقع”
تشهد الساحة اللبنانية منذ مطلع عام 2026 تحولاً قانونياً وسياسياً لافتاً في مقاربة الدولة لملف سلاح حزب الله، حيث انتقلت من سياسة “الاحتواء” إلى محاولة “إعادة تعريف الشرعية”. هذا التحول تجسّد بقرار الحكومة برئاسة نواف سلام في 2 مارس 2026، والذي فصل رسمياً بين جناحين داخل الحزب: جناح سياسي لا يزال ضمن الإطار القانوني، وجناح عسكري وأمني أُعلن خروجه عن القانون.
أولاً: إعادة رسم الشرعية داخل الدولة
القرار الحكومي لا يعني حظر حزب الله كلياً، بل يهدف إلى فرض مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة، وهو مبدأ يتماشى مع التزامات الأمم المتحدة وقراراتها، خصوصاً القرار 1701. بذلك، تحاول الدولة اللبنانية إعادة تثبيت مفهوم السيادة القانونية دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة مع مكوّن داخلي يمتلك وزناً سياسياً وشعبياً كبيراً.
ثانياً: التحدي التنفيذي وحدود القوة
رغم الطابع “التاريخي” للقرار، فإن تطبيقه على الأرض يظل محدوداً. فالجيش اللبناني بدأ خطوات خجولة لحصر السلاح، خاصة في مناطق شمال الليطاني، لكن التنفيذ الشامل يتطلب توازن قوى غير متوفر حالياً. حزب الله لا يزال يمتلك قدرات عسكرية وتنظيمية تجعله لاعباً يفوق الدولة في بعض الجوانب الميدانية.
ثالثاً: عقدة ملاحقة القيادة
في هذا السياق، يبرز ملف الأمين العام للحزب نعيم قاسم كنقطة اختبار حقيقية. فرغم تعدد الشكاوى والاتهامات، لم تصدر مذكرة توقيف بحقه حتى الآن. والسبب لا يعود إلى غياب الأساس القانوني، بل إلى تعقيدات سياسية وأمنية.
وزير العدل عادل نصار طرح فكرة الادعاء وإصدار مذكرة غيابية، مع مناقشة إحالة الملف إلى قضاة تحقيق مثل ندى أسمر، إلا أن المسار القضائي لا يزال متعثراً. فإصدار مذكرة توقيف ضد شخصية بهذا الوزن قد يؤدي إلى تفجير التوازن الحكومي.
رابعاً: البعد الإقليمي وتأثيره
لا يمكن فصل هذا التحول عن السياق الإقليمي، خصوصاً التصعيد المرتبط بإيران وإسرائيل. فالحكومة اللبنانية بررت قرارها جزئياً باعتبار أن العمليات العسكرية للحزب تجر البلاد إلى صراعات خارج إطار الدولة. في المقابل، يرى الحزب أن سلاحه جزء من معادلة “المقاومة” وليس ملفاً داخلياً قابلاً للتفاوض.
خامساً: سيناريوهات المرحلة المقبلة
- التدرج في التنفيذ: استمرار الدولة في خطوات محدودة لحصر السلاح دون مواجهة مباشرة.
- التجميد السياسي: بقاء القرار حبراً على ورق نتيجة غياب التوافق الداخلي.
- التصعيد: احتمالية إصدار مذكرات توقيف أو حدوث مواجهات أمنية في حال ازدياد الضغوط.
- التسوية: العودة إلى صيغة توافقية تدمج سلاح الحزب ضمن استراتيجية دفاعية وطنية.
ماذا بعد
لبنان اليوم أمام اختبار مزدوج: اختبار سيادة الدولة، واختبار قدرة النظام الطائفي على استيعاب تحولات كبرى دون الانهيار. القرار الحكومي وضع إطاراً قانونياً واضحاً، لكنه لم يحسم معركة الواقع بعد. وبين القانون والقوة، يبقى التوازن هشاً، فيما تتحدد ملامح المرحلة المقبلة بمدى قدرة الدولة على تحويل قرارها من إعلان سياسي إلى واقع فعلي دون دفع البلاد إلى صدام داخلي.



