تحطيم تمثال “دبل”: صراع السرديات في قلب المواجهة الميدانية
في لحظةٍ تختلط فيها الجغرافيا بالرمزية، وتتحول فيها صورة واحدة إلى حدثٍ عابر للحدود، وجد رئيس الوزراء الإسرائيلي نفسه مضطراً للخروج عن صمته سريعاً. حادثة تحطيم تمثال للسيد المسيح في بلدة دبل جنوب لبنان لم تكن، في ميزان العمليات العسكرية، سوى تفصيل صغير. لكنها في ميزان السرديات، انفجرت كقضية كبرى تحمل أبعاداً دينية وسياسية وإعلامية معقدة.
الحادثة: من واقعة ميدانية إلى أزمة سردية
في 19 أبريل 2026، انتشر مقطع مصور يُظهر جندياً إسرائيلياً يحطم رأس تمثال ديني في بلدة دبل، وهي قرية مارونية تقع في جنوب لبنان. خلال ساعات، تحولت اللقطة إلى مادة مشتعلة على منصات التواصل، ووجدت طريقها إلى وسائل الإعلام الدولية.
بيان نتنياهو: دفاع مزدوج وإعادة تموضع
البيان الذي نشره نتنياهو لم يكن مجرد إدانة لسلوك فردي، بل محاولة واضحة لإعادة صياغة الرواية. فهو من جهة أدان الفعل “بأشد العبارات”، ومن جهة أخرى انتقل سريعاً إلى خطاب أوسع يؤكد أن إسرائيل “تحمي حرية العبادة”.
هذا الانتقال ليس عفوياً. إنه يعكس استراتيجية خطابية تقوم على:
- احتواء الأزمة عبر تحميل المسؤولية لفرد لا لمؤسسة.
- تحويل النقاش من حادثة محددة إلى مقارنة إقليمية أوسع.
- استعادة التفوق الأخلاقي عبر إبراز نموذج “التعايش” داخل إسرائيل.
لماذا الآن؟ توقيت لا يحتمل التأجيل
نتنياهو تحرك بسرعة لعدة أسباب جوهرية، أهمها تفادي خسارة المعركة الإعلامية أمام الخصوم، وحماية العلاقات الدولية خصوصاً مع الفاتيكان، بالإضافة إلى طمأنة القاعدة المسيحية الإنجيلية الداعمة له في الولايات المتحدة.
التأثير على الحرب: محدود ميدانياً، عميق نفسياً
عسكرياً، لن تغيّر الحادثة شيئاً في سير العمليات، لكنها تركت أثراً نفسياً واضحاً:
- داخل البيئة المسيحية اللبنانية: قد تخلق شرخاً في المواقف السياسية.
- في خطاب حزب الله: تقدم مادة دعائية لتعزيز رواية “الاعتداء على المقدسات”.
- داخل الجيش الإسرائيلي: تساؤلات حول الانضباط في بيئة حساسة دينياً.
ما وراء الحادثة: صراع على المعنى
ليست هذه الحادثة مجرد اعتداء على تمثال، بل هي نموذج مكثف لصراع أوسع على “من يملك الرواية”. فبينما تسعى إسرائيل لتثبيت صورة الدولة الحامية، يعمل خصومها على ترسيخ صورة الاحتلال الذي لا يميّز بين إنسان ومقدس.



